القرطبي
265
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الشفاعة " . ومن ذلك القرآن وانشقاق القمر وتكليمه الشجر وإطعامه الطعام خلقا عظيما من تميرات ودرور شاة أم معبد بعد جفاف . وقال ابن عطية معناه ، وزاد : وهو أعظم الناس أمة وختم به النبيون إلى غير ذلك من الخلق العظيم الذي أعطاه الله . ويحتمل اللفظ أن يراد به محمد صلى الله عليه وسلم وغيره ممن عظمت آياته ، ويكون الكلام تأكيدا . ويحتمل أن يريد به رفع إدريس المكان العلى ، ومراتب الأنبياء في السماء كما في حديث الاسراء ، وسيأتي . وبينات عيسى هي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وخلق الطير من الطين كما نص عليه في التنزيل . ( وأيدناه ) قويناه . ( بروح القدس ) جبريل عليه السلام ، وقد تقدم ( 1 ) . قوله تعالى : ( ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم ) أي من بعد الرسل . وقيل : الضمير لموسى وعيسى ، والاثنان جمع . وقيل : من بعد جميع الرسل ، وهو ظاهر اللفظ . وقيل : إن القتال إنما وقع من الذين جاءوا بعدهم وليس كذلك المعنى ، بل المراد ما اقتتل الناس بعد كل نبي ، وهذا كما تقول : اشتريت خيلا ثم بعتها ، فجائز لك هذه العبارة وأنت إنما اشتريت فرسا وبعته ثم آخر وبعته ثم آخر وبعته ، وكذلك هذه النوازل إنما اختلف الناس بعد كل نبي فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغيا وحسدا وعلى حطام الدنيا ، وذلك كله بقضاء وقدر وإرادة من الله تعالى ، ولو شاء خلاف ذلك لكان ولكنه المستأثر بسر الحكمة في ذلك الفعل لما يريد . وكسرت النون من " ولكن اختلفوا " لالتقاء الساكنين ، ويجوز حذفها في غير القرآن ، وأنشد سيبويه : فلست بآتيه ولا أستطيعه * ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل ( 2 ) ( فمنهم من آمن ومنهم من كفر ) " من " في موضع رفع بالابتداء والصفة . قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفعة والكافرون هم الظالمون ( 254 )
--> ( 1 ) ج 2 ص 24 . ( 2 ) البيت للنجاشي ، وصف أنه اصطحب ذئبا في فلاة مضلة لا ماء فيها ، وزعم أن الذئب رد عليه فقال : لست بآت ما دعوتني إليه من الصحبة ولا أستطيعه لأنني وحشي وأنت إنسي ولكن أسقني إن كأن ماؤك فاضلا عن ربك ( عن شرح الشواهد للشنتمري ) .